محاكمة المتهم بالعنف الجنسي رفيق قطريب في هولندا

 
ناجون يواجهون جلادهم أمام القضاء الهولندي


يتسكِا لينغسما – ترجمة نساء ربحن الحرب عن Groene.nl 



تقفى ناشطون سوريون في أوروبا أثر هروب مُحقّقٍ ارتبط اسمُه بالخوف في أقبية نظام الأسد. وما إن استقرّ ذلك الجلّاد في هولندا، حتى أبلغوا الشرطة والادعاء العام هناك. اليوم، وبعد سنوات طويلة، يَمثُل رفيق ق. أمام قوس العدالة في لاهاي. 

استيقظ أبو علي في الـ8 من نيسان / أبريل 6202 على عاصفة من المشاعر المتناقضة اجتاحته: “شعرت بالقلق والتوتر والترقب، وبشيء من الحماس. تفرّقت أفكاري، لكنني حاولت الحفاظ على الهدوء والتركيز.”

تناول الشاب السوري ذي الملامح الهادئة والعينين البنيتين هاتفه في ذلك الصباح ليتابع البث المباشر للمحاكمة الجنائية الدائرة على بعد مئات الكيلومترات، حيث يقف سجانه السابق ليحاكم أمام قوس العدالة في لاهاي. 

افتتحت القاضية فان هاتوم الجلسة مرحبةً بالحضور. وغصت قاعة المحكمة بمسؤولي الادعاء، ورجال الشرطة، والخبراء، والصحفيين، إلى جانب سوريين تشخص أبصارهم نحو المتهم. كانت الأنظارُ كلّها تلاحق “رفيق ق.”؛ الرجل ممتلئ البنية القابع بقميصه المخطط بالرمادي والأحمر، متميزاً بملامحه العريضة الصارمة، ولحيته الكثة الملتفة، وشعره البني، ونظراته المتوارية خلف نظارةٍ بعدسات سميكة. 

شغل المتهم “رفيق ق.”(58 عاماً) وظيفة كاتب محكمة في مدينة سلمية السورية.واليوم يواجه اتهامات لارتكابه انتهاكات بين عامي 2013 و2014، خلال عمله محققاً في الفصيل المحلي لـقوات الدفاع الوطني؛ وهي ميليشيا شبه عسكرية تابعة لنظام الأسد

كسر تسعة من ضحاياه حاجز الخوف، وأدلوا بشهادات تدين الفظائع التي ارتكبها بحقهم أثناء احتجازهم في مراكز الاعتقال بسلمية، لتشمل لائحة الاتهام 52 واقعة تعذيب وعنف جنسي، صُنِّفت كجرائم ضد الإنسانية.

يصرُّ المتهم على غياب عائلته أو أصدقائه عن الجلسات. وبنبرة متوترة، قال ’رفيق ق.’ عن وكيله الجالس جواره “حتى هذا المحامي فُرِض عليّ فرضاً”. يقاطع القاضية بذعر ونزق محاولاً الدفاع عن نفسه، فتبدأ أفكاره بالتشظي إلى حكايات متفرقة متخبطة. ورغم إلمامه الدقيق بتفاصيل ملف القضية، انفجر محتداً: “لن أجيب إن لم يُصحَّح هذا الخطأ في الترجمة.”
 

والأهم من ذلك كله، هو أن ’رفيق ق.’ يطرح نفسه كضحية؛ إذ يقول: “أنا أسير حرب هنا”. وهو يبدي سلوكاً عدائياً حاداً إزاء المدعيتين العامتين، كما يهاجم الضحايا والشهود بضراوة؛ فيصفهم بالمجرمين، والإرهابيين، والجبناء، والقتلة. وحين سألته القاضية: “هل يقولون الحقيقة أم لا؟”، ردّ قائلاً: “إنهم كاذبون، هذه اتهامات باطلة.”
 

يَدّعي المتهم وجود مؤامرة تُحاك ضده، متّهِماً المحامي الحقوقي البارز أنور البني بلعب دور “العقل المدبر.”لكونه يساهم عبر المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية في برلين بجمع الأدلة والوثائق لملاحقة المتورطين السوريين في أوروبا. هاجم المتهم البني محتقناً وواصفاً إياه بالفاسد عقلياً.

كما ينفي “رفيق ق.” انضمامه إلى قوات الدفاع الوطني، فيما تؤكد إفادات الشهود والوثائق والصور المعروضة عكس ذلك، إذ تُظهره مرتدياً الزي العسكري وحاملاً بندقية كلاشينكوف.

في تلك الأثناء أتيح تتبّع مجريات الجلسات للعموم عبر بثٍ مباشر باللغات الهولندية، والعربية، والإنجليزية؛ ما دفع الجموع في مدينة سلمية للتسمّر أمام الشاشات.

قدّم الضحايا التسعة وشهود آخرون إفادات دقيقة للشرطة وقاضي التحقيق. ولحماية خصوصيتهم وسلامتهم، أُعفوا من المثول أمام المحكمة خلال الجلسات. ورغم المحاذير، قبل “الطويل” (اسم مستعار لأسباب أمنية) الحديث عن حياته في مقابلة صحفية؛ جرى اللقاء في موقع سري نسّقته مؤسسة نوهانوفيتش، وهي منظمة هولندية غير حكومية تُعنى بمساندة ضحايا الجرائم الدولية.

لا تشي ملامح الطويل بشيء من قسوة ما عاشه؛ فـ الطويل’ شابٌّ دمث الوجه، يألفه الرائي، نبتت له لحية قصيرة وشارب. يرتدي بنطال جينز وقميصاً قطنياً أسود يغطيه آخر مقلّم، فيما تدلى من معصمه سوار فضي صغير. يطمح الشاب اليوم لدراسة علم النفس، مدفوعاً برغبة عميقة في فهم النفس البشرية ومتاهاتها، وقرأ حتى الآن نحو ثلاثمئة كتاب في هذا المجال. 

“نشأ ’الطويل‘ في مدينة سلمية، وهي مدينة يقطنها حوالي مئة ألف نسمة، وتحرسها أطلال قلعة أثرية وتحيط بها عشرة جبال. كان في الـ61 من عمره عند اندلاع الثورة السورية في 11. خرج حينها 52 ألفاً من أبناء المدينة في مظاهرات سلمية كل يوم جمعة.

يستحضر تلك الأيام قائلاً: “كنا نهتف للحرية ونطالب برحيل الرئيس، وسط مشاعر مختلطة بين البهجة وتدفق الأدرينالين والخوف. كانت تلك الأمنية راسخة لدى الأجيال السابقة، لكن النزول إلى الشارع من أجلها لم يكن مطروحاً”.
في تلك الفترة، كان “رفيق، أ” حاضراً في الحراك، لكن إلى جانب النظام، ينهال على المتظاهرين ضرباً بالعصي.


انخرط الطويل مع مجموعة صغيرة من الشبان في تصوير مقاطع فيديو توثق مجريات الثورة. وعقب قمع المظاهرات بالعنف وتحول الحراك إلى نزاع مسلح، واصل الشاب أنشطته الاحتجاجية، لدرجة تعذر معها ذهابه إلى المدرسة أحياناً؛ جراء ترصد عناصر المخابرات للناشطين عند بوابتها.

في ال82 من أيلول/سبتمبر 3102، اعتُقِل للمرة الأولى على يد الأجهزة الأمنية. يقول: “لا توجد كلمات تصف ما سمعته”، مشيراً إلى أصوات السجناء وهم يبكون ويستغيثون. وُضِع في زنزانة مظلمة مع عشرين رجلاً عراةً هزيلي الأجساد تغطيهم الكدمات. وأُجبِر هو الآخر على خلع ملابسه.
يشير الطويل نحو الباب قائلاً: ’عُلِّقتُ هناك من معصميّ من العاشرة ليلاً وحتى بعد ظهر اليوم التالي. وكانوا يضربونني على بطني كل خمس دقائق؛ في البداية كنت أحتمل، لكن بعد المرة العاشرة خارت قواي.”

وبينما كان يقاوم، طُبِّقت عليه أساليب تعذيب متعددة. يقول: “واساني السجناء الآخرون، لكني كنت يائساً جداً وأردت إنهاء حياتي”. تَعرض لضرب مبرح ومشوّه، وفجأة، بعد أسبوعين، أطلق سراح لـ”الطويل” الذي احتضنته عائلته وأصدقاؤه، فاشترى ملابس جديدة وحلق شعره لإصابته بالقمل.

يقول: “كان هذا الجزء السهل”، فالأسوأ لم يكن قد جاء بعد. ففي منتصف ليلة الـ81 من تشرين الأول/أكتوبر 3102، وصلت قوات الدفاع الوطني في أربع سيارات، وحطم عناصر الميليشيا الباب بأرجلهم، ثم ضربوا والده، ووالدته، وأخته، وأخاه. ولاذ “الطويل” بالفرار، اقتيد والده بعيداً.
لاحقاً نقلت عمته تطمينات بأنه إذا وقع على وثيقة، سينتهي كل شيء؛ لكن ذلك لم يكن سوى خديعة.

سلّم نفسه بفعل ما قيل لعمته ، ليفرِج عن والده لاحقاً، واقتادته قوات الدفاع الوطني الطويل إلى مزرعة مهجورة تستخدمها كمركز احتجاز وتُعرف بـ”فيلا الكويتي”، وللوصل إليها وعبرو طريقاً فرعياً صغيراً.

يستحضر تلك اللحظة قائلاً: “ظننت أنهم سيقتلونني هنا.”

عند وصوله، أُمِر بالركوع، ثم حجبوا بصره بسحب قميصه إلى أعلى رأسه. ثمّ تولى “رفيق ق.” استجوابه وبدأ يضربه على رأسه بعصا. يقول الطويل: “إنني أعرف صوته جيداً؛ فقد كان جارنا لعشر سنوات، ولطالما زار متجر والدي.”

عُلِّق ’الطويل‘ رأساً على عقب بحبلٍ مُدلى من خطاف في السقف. “بينما كان رفيق يجلس على كرسي، كنت معلقاً بين رجليه تقريباً، واستطعت رؤيته من خلال شق صغير في عصابة العينين. “كان من يصدر الأوامر لضربي على الجزء الخلفي من فخذي. بعد فترة، فقدت وعيي تماماً.” قال الطويل.

“ظل معلقاً هناك عارياً من الواحدة ليلاً حتى السابعة صباحاً. ووفقاً لشهادته، قال: «ضربوني بكابلات كهربائية وسلاسل معدنية؛ لم يكن الألم على الجلد بل كنت أشعر به في أعماق عظامي. كانوا يستجوبونني عن أسئلة لا أملك إجابات عنها، بينما كان رفيق يضحك طوال الوقت، وكلما أنكرت التهم، اشتد التنكيل بي».
استمر التعذيب لأربعة أيام.”

شخصَ ببصره إلى الأمام لبرهة، ثم قال بنبرة خافتة: “لم أكن قد تعافيتُ من المرة الأولى بعد. نزعتُ العصابة عن عينيّ وحاولتُ فك الأصفاد، وصرختُ في وجوههم: إنني أعرفكم جميعاً.” وتوسلت إلى “رفيق ق” ليتوقف، “فوجّه ركلةً إلى أنفي.”

حاول الطويل إنهاء حياته بضرب رأسه بالأرض، ويستذكر ذلك قائلاً: “فقدتُ وعيي، لكن رفيق سكب الماء عليّ. مستمتعاً بتعذيبي”. سألوه عن الأسلحة ونقاط التفتيش، ليقول: “أخبرتهم أنني طالب في المدرسة، ولم أنضم إلى أي مجموعة مسلحة.”

وامتدت انتهاكات رفيق ق  لتعنيف الطويل جنسياً  فخلال أحد الاستجوابات، ضرب أعضاءه التناسلية بحزام، وغرس كعب حذائه فيها، وصفع أردافه وعصرها، وزجر في وجهه قائلاً: “ما رأيك يا ابن العاهرة، لو أخصيك الآن لكي لا تنجب أبناء عاهرات مثلك؟”.

ركلَه ’رفيق‘ بقوةٍ على وجهه؛ ما تسبب بأذى إضافي للطويل: “حطّم فكي وكدتُ أفقد عيني، ولم أعد قادراً على المشي أو الكلام”. وبينما كانوا ينهالون عليه بالضرب. “لاحقاً تمكنتُ من النهوض، وأخذني حارس إلى الزنزانة وهو يدفع وجهي بعنف إلى رفّ حديدي”.

احتُجِزّ الطويل هناك رفقة صديقين من بين المدعين في القضية المنظورة أمام القضاء الهولندي.

“كانت الزنزانة خالية تماماً، وقُدِّم له الطعام العفن والماء في أوعية تشبه أوعية الكلاب. وبسبب كسر فكه، عجز الشاب عن الأكل وبالكاد استطاع تجرّع بعض الماء.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل هدده ’رفيق ق.‘ بحشر وجهه في مدفأة كهربائية؛ وعن تلك اللحظة يقول الطويل: «انفجرتُ بالبكاء، لكنه ألقى بي أرضاً وصاح في وجهي: أنت جبان وهش».”

أمضى الطويل يومه الأخير داخل مركز احتجاز قوات الدفاع الوطني بلا عصابةٍ على عينيه ودخل عليه “رفيق ق.” الزنزانة قائلاً: “سيكون وجهي آخر ما تراه في سلمية”

لاحقاً نُقِل الطويل برفقة آخرين إلى دمشق، ليجدوا أنفسهم في الجحيم مجدداً؛ إذ يصف مركز الاحتجاز بالمسلخ البشري وظنّت عائلته أنه فارق الحياة لأن رفيق ق. أخبرهم بذلك.

بعد 6 أشهر أُفرِج عن الطويل، ولم يكن يزن حينها سوى 53 كيلوغراماً. يعرض الشاب صوراً لنفسه من تلك الحقبة معلقاً: “احتجت 03 دقيقة لأميز نفسي.”

وكما الكثيرين، ضحى ’الطويل‘ بكل شيء في سبيل مبادئه من أجل الحرية والديمقراطية، ويقول: “آمنت بالثورة وبأنّما أقوم به لمصلحة لبلدي وعائلتي ومستقبل الأطفال؛ وكان ذلك ما ساعدني على النجاة. التفكير في العائلة والوالدة والحبيبة والمدرسة والأصدقاء هو ما يساعدك على استجماع قوتك مجدداً.”

تحدثَ دون انقطاع، ثم ضحك فجأة كاسراً جمود الأجواء قائلاً: “أريد أن أدخن سيجارة”. كانت الشمس مشرقة في الخارج والطلاب يعبرون ضاحكين؛ فيما تنهد الشاب بعمق.

اضطر “الطويل” إلى ركوب البحر في قارب مكتظ نحو اليونان بعد محاولة أولى فاشلة، ليواجه بعدها رحلة شاقة عبر أوروبا الشرقية تخللتها مواجهات مع الشرطة قبل أن يستقر به المطاف في بر الأمان.

تَقَفّى ناشطون سوريون من منتافيهم في أوروبا أثرَ الجُناة ومتورطي جرائم الحرب. وبسبب تلك الجهود عَلِم الطويل وأصدقاؤه أن رفيق ق. باع منزله في سلمية، ما كان مؤشراً لرغبته في الفرار من البلاد.

وفي أيار/مايو 9102، طار رفيق ق. إلى طهران، ومنها عبر إلى تركيا. ويسترسل الطويل قائلاً: “لكننا بعد ذلك فقدنا أثره لبرهة من الوقت.”

إلى أن تتبعوا أثره في اليونان؛ إذ كان رفيق ق قد وصل هناك في ال02 من حزيران/يونيو 9102. ونقل رجل سوري، تظاهر بأنه صديقه، كافة المعلومات إلى ناشطين تواصلوا مع المحامي الحقوقي أنور البني لمعرفة التوقيت المناسب لإبلاغ السلطات من أجل اعتقاله.

يوضح البني وفي اتصال هاتفي من برلين قائلاً: “لكن كان علينا الانتظار حتى يستقر في دولة ذات اختصاص قضائي مناسب، لأن الأمر لن يفضِ إلى شيء في اليونان”. وبعد صبر طويل وفي السادس من حزيران/يونيو 1202، سافر المتهم إلى هولندا.

عقّب الطويل: “اجتاحني الذعر؛ فقد فررنا من ذلك المسخ، لكنّه لاحقنا. وكان على بُعد ساعة واحدة منا فحسب، فتملكني الرعب ولم أعد قادراً على النوم”. بيد أن الأمر كان بمثابة نبأ سار بالنسبة لـ”البني”؛ إذ حظيت القضية بفرصة جيدة أمام القضاء في هولندا.
وبناءً على ذلك، جمّع البني ملفاً تضمن شهادات ثلاثة شهود، من بينها رواية “الطويل”. ويعلق البني قائلاً: “كانوا خائفين، لكنهم امتلكوا شجاعة كافية لمواجهة المتهم.”

تُتيح القوانين المحلية في هولندا، بموجب قانون الجرائم الدولية، ملاحقة الأفراد قضائياً بتهم ارتكاب جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، والإبادة الجماعية، حتى وإن ارتُكِبت خارج البلاد. ويُشترط لتفعيل هذه الملاحقة أن يكون الجاني متواجداً على الأراضي الهولندية، أو أن يكون الضحية أو الجاني حاملاً للجنسية الهولندية.

وتتولى فِرَقٌ جنائية متخصصة من الشرطة والادعاء العام التحقيق في هذه القضايا، في حين تُعقد جلسات المحاكمة أمام المحكمة الابتدائية في لاهاي. وحتى يومنا هذا، أدان القضاء ثمانية عشر شخصاً بارتكاب جرائم دولية في كلٍّ من أفغانستان، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وإثيوبيا، والعراق، وليبيريا، ورواندا، وسريلانكا، وعلى وجه الخصوص سوريا التي نالت النصيب الأكبر بخمسة أحكام إدانة.


التقى مسؤولون من الشرطة والادعاء العام في مؤتمر عُقِد في تشرين الثاني/نوفمبر 1202، حيث أطلعهم البني على القضية، ليرسل المحامي الحقوقي ملفه في غضون أسابيع قليلة؛ وهكذا بدأ التحقيق الهولندي. وسرعان ما تبين أن الاختصاص القضائي متوفر، وتمكنت الشرطة من الوصول إلى شهود آخرين.

توضح المدعية العامة ميرام بلوم من قاعة اجتماعات بمقر النيابة العامة الوطنية: “من المهم أن نستمع إلى الشهود بأنفسنا. ولأنهم يعيشون في الخارج، تعين علينا أولاً تقديم طلبات مساعدة قانونية متبادلة إلى دول أخرى قبل أن نتمكن من سماعهم هنا، وهو ما استغرق وقتاً”. وأسفر التحقيق عن حصيلة وافرة من البيانات والوثائق والصور.”

لاحقاً تلقى الطويل اتصالاً هاتفياً مفاجئاً من الشرطة الهولندية، ووصف مشاعره في تلك اللحظة: “ارتبكتُ فزعاً؛ فبسبب شدة الصدمات النفسية التي عشتها، كنت أشعر بالخوف لمجرد رؤية سيارات الشرطة، لكنهم تمكنوا من طمأنتي”.

لم يجرؤ الكثير من الشهود على الإدلاء بشهاداتهم بأسمائهم الصريحة؛ لأنّ إدراج بياناتهم في ملف القضية، سيكشف للمتهم ومحاميه لاحقاً عن هوية هذا الشخص.

تعلق بلوم قائلة: “أراد معظم الشهود الإدلاء بشهاداتهم دون الكشف عن هوياتهم، وفي هذه الحالة لا يُحذف الاسم فقط، بل تُستبعد أيضاً كافة التفاصيل الأخرى التي قد تقود لتحديد هوية الشخص، وهو ما يجعل تقديم الأدلة أعقد بكثير، لكن الأمر مفهوم للغاية؛ إذ وصفت إحدى الضحايا الأمر بأنه صراع مستمر، وقالت إن عائلتها في سوريا ستكون في خطر إن كانت هويتها واضحة في الملف.”

وطوال تلك المدة، تعين على الضحايا والشهود إبقاء الأمر طي الكتمان؛ وتوضح بلوم: “إذا علم المتهم بالأمر، فثمة احتمال أن يفر، ولن تكون هناك محاكمة، وحينها سيذهب كل جهدنا سدى.”

ومع تراكم الأدلة وتزايدها، وفي الساعات الأولى من فجر الـ8 من كانون الأول/ديسمبر 3202، داهمت الشرطة منزل المتهم في بلدة دروتن واقتيد رفيق ق. من سريره.
“لا يمكنني وصف ما شعرتُ به عندما سمعتُ النبأ؛ فاليوم، تحققت العدالة.” يقول الطويل.
لكنّ لم تدم فرحة الطويل؛ حيث تلقى أنباءً سيئة من سوريا عن تهديدات لأخته وإطلاق نار على منزلها، ما اضطرها إلى الفرار مع ابنتها الصغيرة.

أراد الطويل حينها الانسحاب من القضية، يقول وهو يفرك يديه متوتراً: “اعتلاني شعور خانق بالذنب؛ لقد نجوتُ وأردتُ أن أكون صوتاً للذين قضوا نحبهم في المعتقلات، ولكن عانت عائلتي كثيراً بسبب أفعالي.” وبعد بضعة أشهر، حصل ما لم يكن في الحسبان، وانضمّ إلى القضية مجدداً.”

“تسمرّنا أمام شاشات التلفاز لأيام، معلقين بين الأمل والخوف”. يتحدث الطويل واصفاً أيام معركة ردع العدوان وما تبعها من سقوط نظام الأسد وفي الثامن من كانون الأول/ديسمبر 4202. ويضيف ضاحكاً: “لقد تحقق حلمنا، وأردتُ العودة إلى سوريا على الفور.”

لم يدرك المسؤولون في النيابة العامة أن سقوط النظام سيكون له هذا الكم الكبير من التبعات على القضية. وتوضح بلوم ذلك قائلة: “في غضون أيام قليلة، تلقت الشرطة أولى الاتصالات الهاتفية؛ إذ اتصل ضحايا ليعلنوا رغبتهم في الإدلاء بشهاداتهم بأسمائهم الصريحة، كما تقدم شهود جديد أيضاً.”

سافر الطويل إلى سوريا، واصفاً دهشته قائلاً: “كان الأمر عصياً على التصديق؛ فقد غمرت البهجة قلوب الناس، ورُفِعت راية الثورة في كل مكان، فضحكنا، ورقصنا، وغنينا.”

 يعرض الشاب مقاطع الفيديو من هاتفه؛ حيث يظهر مرتدياً معطفاً شتوياً ثقيلاً، ملتحفاً راية الثورة، وهو يطوق بذراعيه شقيقته وجدته.

كان لدى الطويل وصديقه هدفٌ آخر؛ إذ رأيا كيف هرع السوريون إلى السجون بحثاً عن أحبائهم، تاركين الأوراق مبعثرة في كل مكان. ما دفعهما لإدراك قيمة الأرشفة السليمة، لا سيما لصالح قضيتهم.

ويقول: “على مدار عشرة أيام، تجولنا في جميع مخافر الشرطة بسلمية وأخذنا الوثائق الأكثر أهمية. كان الأمر مجهداً وعشنا حالة من الخوف، لكننا نجحنا في إخفاء مئة ألف وثيقة في مكان آمن لدى شخص نثق به. كان هناك قبو يضم عشر غرف مليئة بالصناديق، كما جمعنا أكثر من مليون وثيقة رقمية.”
وتلقوا مساعدة من المركز السوري للعدالة والمساءلة، الذي دربهم على كيفية تأمين الأدلة.

أرادَا أيضاً تصوير فيلا الكويتي؛ الموقع الذي احتُجِزا فيه، غير أن المجمع كان يخضع لحراسة الشرطة السورية. يقول الطويل: “انتظرنا حتى غادر عناصر الشرطة، ثم قفزنا فوق السور.” كانت دقات قلبه تتسارع هلعاً.
بعجالة، صوّر الطويل الغرفة التي عُذِّبا فيها؛ وكان الخطاف ما يزال معلقاً في السقف، والحبل ملقى على الأرض. كما وثّق بكاميراته غرفة التعذيب الوردية، ومركز القيادة، والزنازين.

وعقب عودتهما إلى هولندا، سلّما المقاطع المصورة والوثائق إلى الشرطة. وتعلق بلوم بالقول: “لم نعتقد للوهلة الأولى أننا عثرنا على كنز من الأدلة؛ إذ تعين على الاثنين أولاً شرح كيفية حصولهما على تلك الوثائق، لتخضع بعدها لعملية تدقيق وتوثيق صارمة.
وتوضح بلوم: “كان من بين الوثائق رسالة مكتوبة بخط يد المتهم وموجهة إلى قوات الدفاع الوطني، وقد أقرَّ هو نفسه بكتابتها.”

وفي غضون ذلك، استمتع قاضي التحقيق إلى إفادات أكثر من خمسة وعشرين ضحية وشاهداً، في جلسات طَرح خلالها محامي المتهم والادعاء العام أسئلتهم أيضاً. وتعلق بلوم بالقول: “هذا هو السبب وراء استغراق هذه القضايا دائماً كل هذا الوقت الطويل.” وقد أحدثت جملة هذه التطورات مجتمعةً تأثيراً بالغاً؛ إذ جعلت القضية أقوى بكثير وأكبر حجماً.

لاحقاً أمن الادعاء العام تمويلاً يتيح للضحايا السفر إلى لاهاي، بالتعاون مع ’مؤسسة نوهانوفيتش‘. وفي الـ41 من نيسان/أبريل 6202؛ مُنح الضحايا حق الكلام.

في ذلك اليوم خيم صمت مهيب على قاعة المحكمة؛ حيث جلس خمسة رجال وامرأتان في صفين أمام القضاة، على بعد أمتار قليلة من المتهم الذي يشخص ببصره نحو السقف.
وتوضح وكليتا الضحايا باربرا فان ستراتن وبريختي فوسنبرغ أن موكليهم كانوا حينها ناشطين، وطلاباً، ورواد أعمال، ومعلمين، وموظفي مستشفيات؛ وهم أشخاص خدموا المجتمع. وبفضل البث المباشر، تقدم 021 ضحية أخرى لـرفيق ق.، كما رفعت عشرون امرأة في سلمية اتهامات بالعنف الجنسي ضد المتهم. 

يقول رجلٌ يرتدي قميصاً مقلماً: مَن كان ليصدق أنني سأقف هنا يوماً، في حين لم تُتح هذه الفرصة للكثير من الضحايا. لقد كنتُ قريباً جداً من الموت، وتملّكني الخوف من ألّا أتمكن من رؤية أطفالي مجدداً.” ما يزال الرجل يعاني وطأة عذاب نفسي كبير، ويؤلمه أنه فقد كل ممتلكاته.
ورغم امتنانه لإقامة الدعوى القضائية، فإنه يوجه انتقادات للنظام القانوني الهولندي، الذي لم يمنحه تعويضاً كاملاً. 

تملّك الطويل، الذي ارتدى سترة زرقاء، خوفٌ من أن يبدو صوته خافتاً، لكن سرعان ما نمت ثقته بنفسه. ويقول عن المتهم: “في آخر مرة رأيته فيها، قال إنه سيرسلني إلى حتفي وأنني سأذهب إلى الجحيم.” كان التعذيب يهدف إلى تدمير جسده وعقله.
ويتابع: “لقد قتل الطفولة في داخلي وحب الحياة. قد يحمل هذا الرجل بعض الإنسانية في مظهره الخارجي، لكنه في داخله مسخٌ لا يعرف الرحمة.”

“يروي ’الطويل‘ كيف تقاسموا كمعتقلين مصيراً واحداً، وبكوا معاً، وكيف اشتاقوا لعائلاتهم، لكنهم تمسكوا أيضاً بالأمل في اللقاء بمن يحبون مجدداً. ويقول: “كنا نحلم بحبة فاكهة، أو قطع حلوى، أو بأطباقٍ صنعتها أمهاتنا حين كنا أحراراً أو على قيد الحياة.”
صمتَ لبرهة مستحضراً الطفل أحمد ذي السنوات الست، الذي احتُجِز لنحو عام كامل قبل أن يفارق الحياة. “فكثيرون لم يكتب لهم النجاة”.

تحدث أيضاً عن المعتقلين الذين تعرّضوا لاعتداءات جنسية على يد المتهم، وكيف كان الحراس يلقون بامرأة أمام الزنزانة كل يوم ويغتصبونها جماعياً وكيف كانوا يسمعون صرخات الضحايا وبكاءهم. يقول: “كنا نصرخ، لكننا كنا عاجزين عن إيقاف ذلك.وكان يفصلنا عنهن باب مغلق بيننا وبينهم.”

يريد أن يكرّم هؤلاء النساء بوصفهنّ بطلات. ويطلب الطويل من القضاة إدانة المتهم: “حتى تجد روحي وأرواح رفاقي بعض السلام.”

بعده، تحدثت امرأة ترتدي سترة سوداء كان قد سخر المتهم من شهادتها أثناء إنكاره لها عبر البث المباشر.
تقول: “أنا لست عاراً على عائلتي.”

توضح المرأة أنها تعرضت للاغتصاب على يد رفيق ق.، وأنها لاحظت وجود شامة قرب أعضائه التناسلية كعلامة مميزة له. وبعد إطلاق سراحها، حاولت تنظيف جسدها من الداخل باستخدام الكلور، ما تسبب لها في مشكلات خطيرة في الخصوبة. وقد سخر رفيق ق. من ذلك لاحقاً.

ودعت النساء اليوم إلى عدم الصمت أمام العنف الجنسي. كما شكرت  موظفي الشرطة الهولندية، قائلة: “لم تكن مجرد جلسة استجواب، بل جلسة علاج أيضاً.” وتأمل أن يتحقق العدل، مضيفة: “هذا مهم بالنسبة لي كي أستعيد كرامتي.”

ارتدت المرأة الأخرى نظارتها لقراءة كلمتها متحدثة عن تعرضها للضرب والتعذيب الجنسي على يد المتهم، الذي صعقها بعصاً كهربائية، وتضيف: “أنا امرأة، ومناضلة قاتلت من أجل الحرية. وأسمى من أن يُهينني أحد”، فيما كان الرجل الجالس إلى جانبها يمسح دموعه.

كما انتقدت القضاة الذين ناقشوا تفاصيل العنف الجنسي الذي تعرّضت له بشكل موسّع في العلن، قائلة: “هذا لا يساعد الضحايا بل يعيد إحياء الصدمة من جديد.”  وتضيف أن “جسد الضحايا يبقى ملكاً لهم، وليس أداة قانونية.”

وبينما ينهار المتهم، تقول المرأة: “إنه ليس سوى مجرم، وجزء صغير من نظام قمعي حطّمنا وكسَرنا لسنوات، لكنه لم ينتصر علينا.”

لم تنسى ذكر الأبطال الذين قُتلوا. وتأمل أن يتمكّن الأطفال الذين فقدوا آباءهم بعد إدانة المتهم من امتلاك القوة على مسامحة أطفاله. وتقول: “سنواصل القتال كل يوم لضمان أن يدفع المتهم وحده ثمن جرائمه.”
وتضيف: “هذا من شأنه أن يكسر دائرة العنف، ويمنح أطفالنا فرصة أن يعيشوا مع أطفالهم في المستقبل.”

في الجلسة التي تلتها منح القاضي المتهم فرصة للرد على الضحايا. الذي بدأ قائلاً: “يا اللّه، ومحمد، وعلي”. ثم أضاف: “إذا افترضنا صدق هذه الإفادات، فمن المؤسف جداً ما مرّوا به. لكنني لا علاقة لي بذلك.”

لم يرغب رفيق ق. بحضور مرافعات الادعاء الختامية، ورفض وضع سماعات الترجمة العربية. معلقاً: “لن أستمع إلى من يظلمونني بهذا الشكل”. لكن المحكمة لا تقبل بذلك. “إرتدِ السماعات!” يقول القاضي فان هاتوم. فيردّ المتهم: “سأرتديها فقط لأنك تجبرني، لا لأنني مقتنع.”

في ختام مرافعة الادعاء الختامية التي استمرت لساعات، والتي ناقشت فيها النيابة العامة الإفادات والوثائق وعرضت أيضاً مواد مصوّرة للطويل. أعلنت النيابة العامة طلبها للعقوبة: ثلاثون عاماً في السجن.

لكن محاميه، أندريه سيبريختس، يجادل بأن رفيق ق. قد نال عقابه بالفعل. ففي فبراير/شباط 4102، اعتقله الدفاع الوطني بتهمة ارتكاب عنف جنسي بحق سجناء. وبعد ذلك، تعرّض لتعذيب شديد في دمشق.

ويطالب سيبريختس المحكمة بأن تنظر بعناية فيما إذا كانت هناك أدلة على ارتكاب جرائم جنائية، مشيراً إلى أنه كان هناك عدة محققين في مراكز الاحتجاز، وأن الضحايا كانوا معصوبي الأعين، وأن الإفادات أدلي بها بعد مرور وقت طويل، مع احتمال تأثر الشهود ببعضهم البعض. ويطلب في نهاية مرافعته تبرئة موكله.

حق الكلام تجربة غير مسبوقة بالنسبة للطويل. يقول: “اعتاد الناس في سوريا القول لي: أنت تتحدث باسمنا وباسم أحبائنا. شعرتُ أنني أقف هنا كرجل سليم وقوي يحمل رسالة. في السابق، كان رفيق يضربني مقابل كل سؤال. الآن أستطيع أن أقول ما أريد وكان عليه أن يستمع إليّ.

وفي قاعة المحكمة، كان ينظر إلى المتهم: “في السابق كان رجلاً قوياً يقرر من يعيش ومن يموت.  لكن ما أراه اليوم مجرد ظلٍّ أضعف من أن يحدّق في عيني، لأنه يعرف ما فعله بنا.”
ويؤكد أن الأمر لا يتعلق بالانتقام: “تمنحنا هذه المحاكمة أملاً بالعدالة لأنفسنا وللأشخاص الذين فقدناهم.”